عرب وعالم

إثيوبيا وإريتريا: سباق تسلح صامت على وقع أزمة “المنفذ البحري”

تحليل متعمق لموازين القوى العسكرية بين أديس أبابا وأسمرة.. هل يحسم التفوق العددي الصراع أم أن للجغرافيا كلمة أخرى؟

مراسل في قسم عرب وعالم بمنصة النيل نيوز

في منعطف حرج يمر به القرن الإفريقي، تتصاعد نبرة التوتر بين إثيوبيا وإريتريا، معيدة إلى الأذهان تاريخًا من الصراعات الدامية. الشرارة هذه المرة كانت تصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، التي وصف فيها افتقار بلاده لمنفذ بحري مباشر بأنه “قضية وجودية”، ملمحًا إلى ميناء “عصب” الإريتري كهدف استراتيجي محتمل، وهو ما أشعل فتيل أزمة دبلوماسية عميقة.

هذه التصريحات لم تمر مرور الكرام في أسمرة، التي ردت بلهجة حادة عبر وزارة خارجيتها، معتبرة الطموحات الإثيوبية “هذيانًا سياسيًا” يهدد سيادتها التي نالتها بعد عقود من الحرب. ومع احتدام الخطاب السياسي، تتجه الأنظار إلى ميزان القدرات العسكرية للبلدين، لتقييم مدى واقعية تحول هذا التوتر إلى مواجهة مسلحة قد تعيد رسم خريطة التحالفات في المنطقة بأكملها.

معادلة القوة: الأرقام في مواجهة الجغرافيا

على الورق، تبدو الكفة العسكرية تميل بوضوح لصالح إثيوبيا، التي تحتل المرتبة 52 عالميًا في تصنيف “Global Firepower” مقابل المرتبة 120 لإريتريا. هذا التفوق يترجم إلى قوة بشرية ضاربة قوامها 160 ألف جندي، وقوة جوية وبرية متفوقة عدديًا. لكن هذه الأرقام وحدها لا تحسم بالضرورة نتيجة أي صراع محتمل، خاصة في منطقة ذات طبيعة جغرافية بالغة التعقيد.

فالجيش الإريتري، رغم تواضع إمكانياته، يمتلك ميزة استراتيجية لا يمكن إغفالها، وهي خبرته التراكمية في الحرب الجبلية وحرب الاستنزاف. فالحدود الممتدة لألف كيلومتر بين البلدين هي عبارة عن سلسلة من الجبال الشاهقة والوديان العميقة التي تشكل حصونًا طبيعية. وقد أثبتت القوات الإريترية خلال حرب الاستقلال (1961-1991) وحرب الحدود (1998-2000) قدرة فائقة على تحييد التفوق الإثيوبي عبر تكتيكات حرب العصابات والمناورة في التضاريس الوعرة.

ورقة إريتريا الرابحة

يرى المحلل العسكري أحمد كامل، المتخصص في شؤون القرن الإفريقي، أن “أي مواجهة عسكرية لن تكون نزهة لأديس أبابا. فرغم تفوقها العددي والنوعي، تمتلك إريتريا ورقتين حاسمتين: معرفتها العميقة بتضاريسها المعقدة، وعقيدتها القتالية المبنية على الصمود وحرب الاستنزاف الطويلة”. ويضيف كامل أن الشريط الساحلي الضيق قرب ميناء عصب، رغم كونه أقل وعورة، سيظل هدفًا صعبًا ما لم يتم تحقيق تفوق جوي ساحق وشل قدرات الدفاع الساحلي الإريتري بسرعة.

سيادة الأجواء.. مفتاح الحسم الإثيوبي

تدرك أديس أبابا أن مفتاح أي عملية عسكرية ناجحة يكمن في تحقيق السيطرة الجوية الكاملة. وهنا يبرز تفوقها النوعي والعددي بامتلاكها 103 طائرات عسكرية، أبرزها مقاتلات التفوق الجوي الروسية “سوخوي-27″ و”سوخوي-30” متعددة المهام، والتي تمنحها القدرة على ضرب أهداف في العمق الإريتري. في المقابل، تعتمد القوة الجوية الإريترية المحدودة بشكل أساسي على مقاتلات “ميج-29” السوفيتية القديمة.

ولعل العامل الأبرز في السنوات الأخيرة هو دخول الطائرات المسيرة كعنصر حاسم في معادلة القوة. فقد أثبتت إثيوبيا فعاليتها في استخدام المسيرات الصينية والتركية خلال حرب تيجراي، والتي شاركت فيها إريتريا كحليف لأديس أبابا آنذاك. هذا التفوق في تكنولوجيا الدرونات يمنح إثيوبيا قدرات استطلاع دقيقة وقوة نيرانية مرنة قد تكون حاسمة في استهداف الدفاعات الإريترية المتحصنة في الجبال.

مواجهة برية غير متكافئة

على الأرض، يتواصل التفوق الإثيوبي بامتلاكها نحو 338 دبابة، أغلبها من طراز T-72 المحدث، مقابل 65 دبابة إريترية معظمها من طراز T-62 الأقدم. هذا الفارق الكبير في سلاح المدرعات، مدعومًا بمدفعية ثقيلة وقاذفات صواريخ، يمنح القوات البرية الإثيوبية قوة اختراق هائلة نظريًا. لكن مرة أخرى، تصطدم هذه القوة بتحدي التضاريس التي تحد من فعالية المدرعات وتجعلها أهدافًا سهلة للكمائن والأسلحة المضادة للدروع.

  • الجيش الإثيوبي: يعتمد على دبابات T-72 المحدثة، ومدفعية D-30، وقاذفات BM-21.
  • الجيش الإريتري: يعتمد على دبابات T-62 الأقدم، مع تركيز أكبر على الوحدات الخفيفة المتخصصة في القتال الجبلي.

خاتمة: حسابات الحرب والسلام

في المحصلة، يبدو المشهد العسكري بين إثيوبيا وإريتريا أكثر تعقيدًا من مجرد مقارنة أرقام. فبينما تمتلك إثيوبيا قوة نارية ضاربة وتفوقًا جويًا واضحًا، تمتلك إريتريا مزايا دفاعية هائلة تتمثل في الجغرافيا والخبرة القتالية. إن أي قرار باللجوء إلى الخيار العسكري من جانب أديس أبابا سيكون محفوفًا بمخاطر جمة، قد تقود إلى حرب استنزاف طويلة ومكلفة لكلا الطرفين، وتهدد بزعزعة استقرار منطقة القرن الإفريقي الهشة بالفعل. ويبقى السؤال معلقًا: هل ستغلب لغة الدبلوماسية أم أن طبول الحرب ستقرع مجددًا في هذه البقعة الملتهبة من العالم؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *