أمريكا والنفط: شهية مفتوحة تعيد رسم خريطة استهلاك الطاقة العالمي
شهية أمريكا للنفط لا تشبع: كيف يعود أكبر مستهلك في العالم إلى عصر الوقود الأحفوري؟

في مفارقة تكشف عمق الارتباط بالوقود الأحفوري، تتجه الولايات المتحدة نحو تسجيل أعلى معدل استهلاك للنفط منذ 18 عامًا، متحديةً التوقعات العالمية بشأن تحولات الطاقة. هذا الانتعاش، الذي تغذيه ثورة النفط الصخري ووفرة الإنتاج، يرسم ملامح جديدة لمستقبل الطاقة في أكبر اقتصاد في العالم.
تبدأ القصة من محطات الوقود، حيث تكشف تجربة قيادة سيارة رياضية أمريكية ضخمة عن استهلاك وقود هائل، يصل إلى 11 كيلومترًا للتر الواحد، وهو رقم يبدو هزليًا مقارنة بمعدلات الكفاءة الأوروبية التي تتجاوز 19 كيلومترًا للتر. هذه الفجوة ليست مجرد اختلاف ثقافي في حجم السيارات، بل هي مؤشر على أن الطلب على النفط في أمريكا يزدهر بنفس قوة الإنتاج.
انقلاب في التوقعات
وفقًا لأحدث بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية (EIA)، من المتوقع أن يصل متوسط الاستهلاك السنوي في الولايات المتحدة إلى 20.59 مليون برميل يوميًا في عام 2025. هذا الرقم لا يقترب فقط من المستوى القياسي المسجل قبل 20 عامًا (20.8 مليون برميل يوميًا في 2005)، بل يمثل أيضًا تعديلًا تصاعديًا لتوقعات عام 2024، مما يشير إلى أن ذروة الطلب التي كان يُعتقد أنها أصبحت من الماضي، قد تكون مجرد محطة عابرة.
هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج سياسات اقتصادية وصناعية تمتد لسنوات. فبينما قد يسهل إلقاء اللوم على إدارة ترامب المؤيدة للوقود الأحفوري، فإن جذور هذا النمو تعود إلى موجة من مصانع البتروكيماويات التي تم إقرارها في عهدي أوباما وترامب، والتي مهدت الطريق للطلب المتزايد على “الذهب الأسود” اليوم.
تشريح الطلب الأمريكي المتنامي
يتغير التركيب الداخلي لهذا الطلب بشكل لافت. ففي عام 2005، كان البنزين والديزل هما المحركان الرئيسيان للاستهلاك. أما اليوم، ورغم أن استهلاكهما انخفض عن ذروته، فإن النمو الأسرع يأتي من قطاعات أخرى. يأتي الإيثان، وهو مادة خام أساسية في صناعة البتروكيماويات والبلاستيك، في مقدمة هذا النمو، إلى جانب الزيادة السريعة في الطلب على وقود الطائرات.
يعود هذا الارتفاع في نصيب الفرد من استهلاك النفط، الذي يتجاوز ضعف نظيره في ألمانيا أو اليابان، إلى عدة عوامل متجذرة في النسيج الأمريكي: مجتمع ثري يعيش في ضواحٍ مترامية الأطراف، وضعف شبكات النقل العام، وصناعة نفط محلية قوية ضغطت دائمًا للحفاظ على ضرائب الوقود منخفضة، مما يجعل أسعار البنزين والديزل أرخص بكثير من الدول المتقدمة الأخرى.
سياسات واشنطن وتأثيرها المستقبلي
ما يفعله الرئيس دونالد ترامب حاليًا هو صياغة اتجاهات المستقبل. على المدى القصير، قد تؤدي الرسوم الجمركية إلى تباطؤ النمو الاقتصادي، وبالتالي نمو استهلاك النفط. لكن على المدى الطويل، فإن سياساته، خاصة نفوره من السيارات الكهربائية ودعمه للسيارات الكبيرة المستهلكة للوقود المصنوعة في أمريكا، ستعزز هذا الطلب حتمًا.
أحد أهم المؤشرات هو التراجع عن معايير كفاءة استهلاك الوقود. فبعد عقود من فرض عقوبات على شركات السيارات التي لا تحقق أهداف التحسين السنوية، وعد البيت الأبيض بالتغاضي عن المخالفات، مما يمنح الصناعة حرية مطلقة. هذا التحول، مقترنًا بأسعار النفط المنخفضة نسبيًا، يشجع المزيد من الأمريكيين على شراء سيارات الدفع الرباعي الكبيرة.
في ظل هذا الواقع، يبدو أن مسار انخفاض الطلب الذي توقعته وكالات دولية مثل وكالة الطاقة الدولية (IEA) أصبح غير مؤكد. فمع تزايد استخدام وقود الطائرات والبتروكيماويات، واستمرار قوة استهلاك البنزين، تكتمل كل العوامل لتسجيل رقم قياسي جديد في استهلاك النفط الأمريكي. لقد عاد رواج النفط والسيارات الكبيرة، بينما تراجع الحديث عن تغير المناخ إلى الظل، في مشهد يعكس أن واشنطن تركز الآن على الحفاظ على الوضع الراهن للطاقة أكثر من تغييره.









