ألمانيا تعيد سيناريو 2010: برلين تفرض “ديكتاتورية” اقتصادية جديدة على أوروبا
تحت شعار "التحرر من القيود"، القارة العجوز على أعتاب مرحلة جديدة من السياسات الألمانية المثيرة للجدل

لم تمضِ سنوات طويلة على أزمة 2010 الكبرى، التي شهدت فرض برلين لـ”التقشف” على أوروبا تحت شعار “لا بديل”، حتى تعود ألمانيا اليوم، وهي تتخبط في أزمتها الهيكلية الخاصة، لتُملي على القارة العجوز “ديكتاتورية” اقتصادية جديدة لا تقل إثارة للجدل عن سابقتها.
يتذكر المؤرخون كيف أن ذلك “اللا بديل” كان وصفة كارثية، أدت إلى إنقاذ البنوك بأموال دافعي الضرائب، وتطبيق سياسات التقشف القاسية التي أضرت بالقوة الشرائية ومهدت الطريق لصعود الشعبويات في أنحاء القارة. وبينما كانت أوروبا تتهاوى، كانت ألمانيا تزدهر، مستفيدة من نهجها التجاري الجديد.
لكن يبدو أن “النشوة الأيديولوجية” تلك، التي جمعت بين النزعة التجارية الجديدة والليبرالية المنظمة، قد انقلبت سحراً على ساحرها. فاليوم، تجد برلين نفسها مكشوفة الأوراق، بعد أن فقدت مصادر الطاقة الروسية الرخيصة، وبدأت صناعتها تعاني من تحديات الثورة التكنولوجية، وتلاشى درع الأمن الأمريكي. ألمانيا الآن في قلب أزمة هيكلية، تكافح للخروج من ركود استمر لخمس سنوات، وهي على وشك فرض إملاء اقتصادي جديد على أوروبا، يثير الكثير من التساؤلات.
في بروكسل، يُطلقون عليه “تبسيط الإجراءات التنظيمية”، لكن الحقيقة أننا أمام كلمة العام 2026: “التحرر من القيود” (Desregulación). تبسيط الإجراءات يعني إزالة التكرارات التنظيمية غير المجدية لتخفيف الأعباء عن اقتصاد يحتاج بشدة للانطلاق. لكن “التحرر من القيود” وحش أقبح، يحمل جينات المحافظين الجدد، فهو يعني التخلي عن الحماية، والتعرض لعواصف الأزمات المستقبلية، مع شبهة قوية بأن وراء هذا القناع تختبئ المصالح الوطنية الألمانية.
فـ”التحرر من القيود” يعني، على سبيل المثال، التراجع عن جزء من الأجندة الخضراء لتخفيف وطأة الضربة على صناعة السيارات الألمانية. أو إصلاح أسواق الانبعاثات في مواجهة تكاليف الطاقة التي تفتك بقدرة شركاتها التنافسية.
عادة، عندما يتخلف اقتصاد بلد ما، يكون الحل في الاستثمار والتنويع. لكن الألمان يعتقدون أن “بلسم فيرابراس” السحري هو “التحرر من القيود” بلا حدود، بخلطة تجمع بين “تاتشر” (في ليبراليتها الجديدة) و”ميركل” (في أنانيتها)، وهو ما يتجلى في شخص المستشار فريدريش ميرتس، الذي كان سابقاً في “بلاك روك” بالمناسبة.
أوروبا الألمانية التي نعيشها اليوم تعاني من تشتت كبير. يُطلب منها بشكل ملحٍ توجيه استراتيجي وقيادة، لكن لا شيء من ذلك متوفر. لقد اختفى المحور الفرنسي-الألماني: فبينما رفعت برلين راية “تبسيط الإجراءات التنظيمية” (في قارة كانت دائماً، وبشكل متناقض، قوة تنظيمية)، تتمسك باريس بسياسات الحماية الصناعية وتدعو إلى “اليوروبوندز” (الديون المشتركة)، لكن رد ألمانيا كان فورياً وصارماً بالرفض.
لقد صرح ميرتس بوضوح: “لن أدعم فكرة اليوروبوندز. لا أرغب في ذلك، وحتى لو أردت، لا يمكنني بسبب القيود التي يفرضها المحكمة الدستورية”. هذا الاحتجاج بالمحكمة الدستورية لا يمكن أن يكون أكثر خداعاً؛ فبرلين قد تجاوزت قواعدها الخاصة عندما يناسبها الأمر، وهي تفعل ذلك اليوم، مع حزمة تحفيز مالي ضخمة لمحاولة التخفيف من تدهور صناعتها.
ألمانيا، باختصار، تريد “التحرر من القيود”، وهي تعتمد في ذلك على إيطاليا بقيادة ميلوني، وعلى دول شرق أوروبا، وشركائها التقليديين. أما فرنسا، فتسعى لحماية صناعتها، بدعم من الدول الأكثر انتقاداً للصين، وتدعو إلى اليوروبوندز، وتحظى في ذلك بدعم إسبانيا. أمام هذه الكوكبة الجديدة من التحالفات، تقف رئيسة المفوضية، أورسولا فون دير لاين، موقف المتفرج أو “أبو الهول”.
إن “التحرر من القيود” والتدابير الحمائية تسيران قدماً؛ ولا يبدو ممكناً حتى الآن إقرار الدين المشترك دون الشعور بنهاية الأزمنة الذي عشناه مع الجائحة أو ضرورة عدم التخلي عن أوكرانيا. الغريب أننا على حافة الهاوية، مع روسيا المهددة، والولايات المتحدة التي تهدم كل الجسور، والصين التي تحبس فائضاً تجارياً يتجاوز تريليون دولار سنوياً، مما يسبب اختلالات خطيرة.
الحل الألماني هو الإنفاق محلياً و”التحرر من القيود” في الاتحاد الأوروبي. لا أحد يجرؤ على السعال في وجهها ببروكسل فيما يخص الشق الاقتصادي، على الرغم من المساعدات الحكومية الهائلة التي تشوه المنافسة؛ ولا فيما يخص الدفاع، على الرغم من أن الشركاء سيجبرونها على التنازل في أجندات أخرى إذا أرادت، كما تقول، أقوى جيش في القارة. وهذا الأسبوع يتضح أن أحداً لن يعارضها أيضاً في “التحرر من القيود”.
إن “التحرر من القيود” لمجرد “التحرر” لن يولد النمو، وبدون النمو، يواجه الاتحاد الأوروبي خطر المزيد من عدم الاستقرار السياسي وفقدان المزيد من وزنه في الجغرافيا السياسية العالمية. للنمو، يجب الاستثمار، ويجب سد الثغرات في السوق الموحدة، ويجب إنشاء اتحاد سوق رأس مال يستحق هذا الاسم. ولتعزيز الأمن، يجب الإنفاق على دفاع مشترك، لا على 27 جيشاً غير متوافقة فيما بينها.
لكن لا، ما سنفعله هو “التحرر من القيود”. وعندما نفعل ذلك، ستنفتح أمامنا حقبة جديدة من الألوان الزاهية، هكذا تقول لنا أوروبا بلكنة ألمانية معدنية تذكرنا بـ”اللا بديل” المشؤوم للتقشف التوسعي المزعوم. الحقبة الجديدة: المغامرة القديمة التعيسة.









