أطفالنا وسر السلوكيات الصعبة: حين يصبح الألم الطفولي ‘سمًا’ خفيًا

صرخات لا تتوقف، نوبات غضب عارمة في الأماكن العامة، رفض الطعام، أو تقلبات مزاجية حادة في المدرسة. مشاهد مألوفة ترهق الوالدين، وتتركهم في حيرة: لماذا يتصرف طفلي هكذا؟ هل أخطأت في شيء؟ هل هناك مشكلة خفية؟
تلك التساؤلات ليست وليدة فراغ، بل هي صدى لإحساس عميق بالارتباك، الأذى، وحتى الخجل. لا يأتي الأطفال بدليل تشغيل، والحياة نفسها رحلة معقدة، مليئة بالتحديات. لكن غالبًا، لا يكون سلوك الطفل الصعب ناتجًا عن جينات وراثية أو تقصير أبوي، بل عن أحداث جرت للطفل أو للعائلة.
قد تكمن الإجابة في صمت الطفل، عجزه عن التعبير بالكلمات عما يزعجه. مشاعر قوية تتلاطم بداخله، لا يجد سبيلًا للتحكم بها أو فهمها. هنا تتجلى أهمية فهم ما يسمى بـ”تجارب الطفولة السلبية” (ACEs)، وهي حقيقة أكثر شيوعًا مما يتصور الكثيرون. هذه التجارب قد تشمل انفصال الوالدين، أو أحداثًا صادمة أخرى تترك أثرها العميق.
تتجاوز هذه التجارب الصادمة الأحداث الفردية. فالظلم الاجتماعي، الفقر، الفصل العائلي، التمييز العنصري، أو الرفض بسبب الهوية، كلها مصادر للضغط النفسي الشديد. جائحة كوفيد-19 نفسها خلفت خسائر نفسية جمة لدى الأطفال. هذه الظروف تهيئ بيئة خصبة لما يعرف بـ”الضغط السام”.
يمتلك جسمنا أنظمة استجابة طبيعية للتوتر، مصممة لحمايتنا في المواقف المخيفة. تفعيل هذه الاستجابة، المعروفة بـ”الكر والفر”، أمر طبيعي عند مواجهة خطر وشيك. لكن عندما تستمر تجارب الطفولة السلبية لفترات طويلة، يظل نظام التوتر متيقظًا باستمرار، ليتحول الضغط إلى “سم” يؤثر على الصحة العامة للطفل. كلما زادت هذه التجارب، زاد الضرر المتراكم بمرور الوقت. حتى الشدائد المزمنة المستمرة تحدث تأثيرًا سلبيًا مماثلًا. هذا يفسر ارتفاع مخاطر الإصابة بالاكتئاب وأمراض القلب والسكري وغيرها من المشاكل الصحية لدى البالغين الذين عانوا من تجارب الطفولة السلبية أو الظلم الاجتماعي المزمن.
الخبر السار أن الأهل يمتلكون أدوات قوية لتخفيف هذا الضغط قبل أن يصبح سامًا. بناء علاقات آمنة وداعمة، أو ما يُعرف بـ”الصحة العلائقية”، يعيد ضبط نظام التوتر في الجسم. تُظهر الأبحاث أن “تجارب الطفولة الإيجابية” لا تقل أهمية؛ لحظات الترابط، قراءة الكتب معًا، الالتزام بالروتين العائلي، أو المشاركة في التقاليد المجتمعية. تعليم الطفل كيفية تقبل جميع المشاعر جزء أساسي. هذه الممارسات تعزز المرونة النفسية وتساعد الأطفال على الازدهار.
عندما تزداد تحديات الأبوة، يصبح طبيب الأطفال شريكًا حيويًا. لا يقتصر دوره على مراقبة النمو الجسدي، بل يمتد ليشمل الصحة العاطفية والاجتماعية للطفل. يمكنه المساعدة في بناء شبكة دعم متكاملة للعائلة، سواء كان الطفل يتمتع بصحة جيدة، أو يواجه تحديات سلوكية وتنموية، أو تمر العائلة بظروف صعبة. طبيب الأطفال يهتم أيضًا بصحة الوالدين، ويسأل عن تحديات الحياة اليومية. مشاركة تفاصيل الحياة العائلية والمجتمعية تمكن الطبيب من فهم أعمق لأسباب سلوكيات الطفل، وتقديم الدعم الأمثل. لا يوجد سؤال بسيط أو غير مهم. الاستماع بتعاطف، دون حكم، هو مفتاح ضمان حصول جميع الأطفال وعائلاتهم على الموارد والمهارات اللازمة للنمو والازدهار.








