أسعار النفط تتراجع تحت ضغط التوترات التجارية وفائض المعروض

شهدت أسعار النفط تراجعًا ملحوظًا، متأثرة بتصاعد التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين، وهو ما أدى إلى عزوف المستثمرين عن الأصول عالية المخاطر. وتزامن هذا التوتر مع تقرير متشائم من وكالة الطاقة الدولية حذر من فائض قياسي في المعروض العالمي من الخام، مما زاد من الضغوط على السوق النفطية.
في تداولات الثلاثاء، انخفض سعر خام “غرب تكساس الوسيط” بنسبة 1.3%، ليقترب من مستوى 59 دولارًا للبرميل، مسجلاً أدنى مستوياته منذ مايو الماضي. في المقابل، استقر سعر خام “برنت” القياسي عند حوالي 62 دولارًا للبرميل، في ظل حالة من الترقب تسود الأسواق العالمية بشأن الخطوات التالية في النزاع التجاري.
يأتي هذا التراجع في سياق حرب تجارية متبادلة، حيث فرضت بكين قيودًا على خمسة كيانات أمريكية تابعة لواحدة من كبرى شركات بناء السفن في كوريا الجنوبية. هذه الخطوة، التي يُنظر إليها كرد فعل على سياسات واشنطن، تزيد من تعقيد المشهد الاقتصادي العالمي وتهدد باتخاذ مزيد من الإجراءات الانتقامية التي قد تؤثر سلبًا على الطلب العالمي على الطاقة.
تحذير من فائض تاريخي في المعروض
أصدرت وكالة الطاقة الدولية، التي تتخذ من باريس مقرًا لها، تقريرًا رفع فيه توقعاتها لفائض غير مسبوق في المعروض النفطي بحلول عام 2026. وتشير تقديرات الوكالة إلى أن الإمدادات العالمية من الخام ستتجاوز الطلب بنحو 4 ملايين برميل يوميًا العام المقبل، وهو ما يمثل أكبر فائض سنوي مسجل على الإطلاق، مما يضع تحالف أوبك+ أمام تحدٍ كبير بعد قراره الأخير بزيادة الإنتاج.
هذا الفائض المتوقع، الذي ارتفع بنسبة 18% عن تقديرات الشهر الماضي، لا يعكس فقط قرار التحالف بضخ المزيد من النفط، بل يأخذ في الاعتبار أيضًا تعزيز التوقعات بشأن إنتاج المنافسين من خارج المجموعة. هذا الوضع يطرح تساؤلات حول استراتيجية المنتجين وقدرتهم على تحقيق التوازن في السوق النفطية على المدى المتوسط.
تصريحات الفيدرالي وتأثيرها المؤقت
في محاولة لامتصاص الصدمات الاقتصادية، عزز رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، جيروم باول، التوقعات بأن صناع السياسة النقدية يتجهون نحو خفض أسعار الفائدة في أكتوبر المقبل. جاءت هذه التلميحات وسط مؤشرات على ضعف في سوق العمل، مما قد يدفع البنك المركزي إلى تبني سياسة نقدية أكثر تساهلاً لدعم الاقتصاد.
وعلق فرانك مونكام، رئيس قسم التداول الكلي في “بافالو بايو كوموديتيز”، قائلاً إن الارتداد اللحظي عن أدنى مستويات النفط جاء كرد فعل على تحسن شهية المخاطرة بعد تصريحات باول. لكنه أضاف: “مع بقاء العوامل الأساسية للنفط في اتجاه هبوطي، فإن مستوى 60-62 دولارًا في خام غرب تكساس يشكل على الأرجح مقاومة قوية”.
نظرة متشائمة تسيطر على الأسواق
تسيطر حالة من التشاؤم على كبار المتداولين، حيث توقع عدد من المديرين التنفيذيين لشركات تجارة النفط الكبرى مزيدًا من التراجع في أسعار النفط. وحذر بن لوكوك، من مجموعة “ترافيغورا”، من أن بدء الفائض المنتظر “أصبح وشيكًا”، بينما أشار توربيورن تورنكفيست، من شركة “غنفور”، إلى أن الطلب على البنزين والديزل ربما يكون قد بلغ ذروته بالفعل.
وتظهر المؤشرات الفنية في السوق إشارات هبوطية واضحة، من بينها عودة تسعير العقود الآجلة إلى حالة “كونتانغو”، حيث تصبح أسعار العقود قصيرة الأجل أقل من تلك طويلة الأجل، مما يعكس توقعات بضعف الأسعار في المستقبل القريب. وقد سجل النفط خسائر متتالية في أغسطس وسبتمبر، مع تراجع خام “غرب تكساس” بنحو 19% منذ بداية العام، وسط توقعات من بنوك “وول ستريت” بعودة الأسعار إلى نطاق الخمسينات.
تباين بين توقعات “أوبك” والسوق
على الرغم من النظرة السائدة، قدمت منظمة “أوبك” في تقريرها الشهري رؤية أكثر تفاؤلاً، حيث توقعت نمو الطلب العالمي بمقدار 1.3 مليون برميل يوميًا هذا العام و1.4 مليون في 2026. إلا أن هذه التوقعات المتفائلة لم تنجح في تبديد مخاوف السوق من تخمة المعروض، خاصة في ظل التوترات التجارية المتصاعدة.
في المقابل، توقعت مجموعة “إس إي بي” أن يضطر تحالف “أوبك+” إلى العودة لتنفيذ تخفيضات في الإنتاج لتجنب زيادة ضخمة في المخزونات خلال الربع الأول من العام المقبل. وأشار بيارنه شيلدروب، كبير محللي السلع في المجموعة، إلى أن أسعار النفط من المرجح أن تتجه لمزيد من التراجع حتى يعود التحالف إلى مسار الخفض مجددًا.









