أزمة نزوح كبرى تضرب لبنان: مئات الآلاف بلا مأوى
صراع مستمر يدفع اللبنانيين ثمنه فقرًا وتشريدًا

أكثر من مليون لبناني، أي ما يعادل خُمس سكان البلاد، يواجهون اليوم مصيرًا مجهولاً، بين مشرد في العراء أو عالق في ملاجئ مكتظة، بفعل هجمة إسرائيلية لا تتوقف أدت إلى تهجير قسري لم يسبق له مثيل في تاريخ البلاد الحديث.
وسط هذا المشهد القاتم، يبرز صوت محمد صالح، رجل يائس، قاطعًا حديثاً عابراً على أرض إسفلتية خارج بيروت. بملامح أنهكها التعب رغم لحيته وشعره المهذبين، يصرخ بغضب: “انظروا ماذا حل بنا!” مشيراً إلى خيمته البائسة. يتساءل بمرارة: “كان لدي منزل وعمل وحياة طبيعية. ماذا فعلت لأجد نفسي في الشارع؟”
صالح، البالغ من العمر ثلاثة وأربعين عامًا، من بلدة كونين الحدودية جنوب لبنان، يعيش مأساة مزدوجة. فقد أُجبر وعائلته على الفرار في أكتوبر 2023 مع اندلاع المواجهات بين حزب الله وإسرائيل. لجأوا إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، التي تُعرف بكونها معقلاً رئيسيًا لحزب الله، بحثًا عن الأمان. لكن يد الحرب طالتهم مجددًا، فبعد فترة قصيرة، دمر قصف إسرائيلي هائل مبانٍ سكنية بالضاحية، في عملية استهدفت قيادياً في الميليشيا الموالية لإيران، ليخسر صالح منزله الثاني. يقول بحسرة: “فقدنا منزلين في أقل من عام واحد.”
لم يختلف حال مئات الآلاف من العائلات اللبنانية عن محمد صالح. تنتصب خيامهم الواهية على الواجهة البحرية لبيروت، تتقاذفها رياح الشتاء الباردة، ويحتمي داخلها النازحون بما تبقى لديهم من متاع قليل، جمعه على عجل تحت وابل القصف الإسرائيلي أو خشية هجمات وشيكة.
يبدو أن الجيش الإسرائيلي يسعى لدفع الطائفة الشيعية اللبنانية، التي تشكل قاعدة دعم حزب الله، نحو التهجير القسري، كعقاب جماعي. وقد أصدرت إسرائيل أوامر إخلاء لمناطق واسعة في جنوب لبنان والضواحي البيروتية. هذه المناطق، التي تمثل حوالي 14% من مساحة البلاد، تسكنها غالبية شيعية تاريخيًا، وتعد محورًا للصراع الإقليمي الممتد.
هذا التهجير يمزق النسيج الاجتماعي، ويفصل حزب الله، الذي لا يقتصر دوره على الجناح العسكري بل يشمل تقديم الخدمات الاجتماعية للشيعة، عن قاعدته الشعبية. كما يدفع مئات الآلاف من المدنيين بعيدًا عن بيئتهم الاجتماعية المألوفة. يفضل الكثيرون البقاء على أطراف العاصمة بدلاً من التوجه إلى مناطق أخرى يخشون أن تُقابل فيها بقية الطوائف الدينية وجودهم بالاستياء، خصوصاً مع ربطهم بأفعال حزب الله التي لا يملكون فيها رأياً أو قراراً.
تتفاقم الأزمة الإنسانية مع قلة المساعدات. الأمم المتحدة، على لسان أمينها العام أنطونيو غوتيريش، طالبت المجتمع الدولي بالتحرك، لكن المتضررين لا يرون أثرًا ملموسًا لهذه الدعوات على أرض الواقع. كثيرون منهم يضطرون لدفع إيجارات مرتفعة في ظل هذه الظروف الصعبة، بينما ينام آخرون في العراء، دون مأوى أو مقومات حياة أساسية.
زينب، التي تغطي شعرها بحجاب وتتشبث حفيدتها أورى بساقها، تجسد هذا الواقع المرير. هي وعائلتها لم يصلهم شيء من المساعدات، وتقطن خيمة بلاستيكية عشوائية شمال بيروت. هجرت زينب وعائلتها من مراكيه جنوب لبنان، بعد أن دمر قصف إسرائيلي مزدوج الواجهة البحرية حيث كانوا ينامون، مما أسفر عن مقتل 12 شخصًا وسلبهم ما تبقى لديهم. فقدت العائلة مصدر دخلها الذي كان يعتمد على الزراعة، وأصبحت تتكل على المساعدات المتقطعة من المنظمات غير الحكومية. تحكي زينب بأسى عن مرض حفيداتها بسبب تسرب مياه الأمطار إلى الخيمة، والكوابيس التي تلاحقهم جراء القصف. ترفض زينب الروايات البطولية عن إعادة بناء الجنوب، وتقول بحزن: “إذا لم يبقَ منزلنا قائماً، فلن يكون هناك مكان نعود إليه”، وهي تعتقد أن منزلها قد قُصف بالفعل.
في خضم هذه الأوضاع المتدهورة، دعا رئيس الحكومة اللبنانية، نجيب ميقاتي، الإدارة الأمريكية إلى التدخل لإنهاء الحرب. محذراً في تصريحات لشبكة “سي إن إن” من أن “لبنان لا مستقبل له إذا ظل نصفه دولة ونصفه ساحة معركة”.
لكن، لا تتفق كل الأصوات على هذا النحو من اليأس. فاطمة، (33 عامًا) من بلدة الخيام الحدودية، تكتب برسائل نصية عن “القتال الشرس” الدائر هناك، حيث وسّعت القوات الإسرائيلية من عملياتها البرية لإنشاء منطقة أمنية. الخيام، التي احتلتها إسرائيل مراراً في السابق خلال عقود طويلة من الصراع، شهدت صراعات متكررة. ورغم أنها لا تعلم مصير منزلها، لا تشارك فاطمة الخوف من خسارة الأرض بشكل دائم، بل تخطط لقضاء عطلة فور انتهاء الحرب. تقول بثقة: “سنعود لأن لدينا المقاومة”، في إشارة إلى حزب الله، “شباب يدافعون عن أرضهم وشعبهم وأطفالهم.” على النقيض، يتحدث حسين من ملجأ للنازحين خارج بيروت، مؤكداً أن العشرات من المدنيين يموتون “بلا سبب”، ويستشهد بمقتل ابن عمه محمد، المتطوع في الدفاع المدني، الذي قضى في قصف إسرائيلي على منزله في حناويه. يشتبه حسين في أن وشاية قد تكون وراء الحادث، في ظل ظروف قاسية تدفع البعض لتقديم أي معلومات مقابل المال.
وفيما تتضارب الأرقام حول ضحايا النزاع، حيث ادعى الجيش الإسرائيلي مقتل 570 مقاتلاً من حزب الله، بينما تجاوزت حصيلة وزارة الصحة اللبنانية ألف قتيل، تظل فاتورة الخسائر البشرية باهظة. هذه الأرقام، التي تذكر بالجدل حول نسبة المدنيين من قتلى غزة في صراعات سابقة، تؤكد أن الغالبية العظمى من الضحايا هم من المدنيين الأبرياء.
وبين صمود فاطمة ويأس زينب، يبقى محمد صالح، الذي ولد عام 1982 تحت الاحتلال الإسرائيلي، معلقًا بين خوف دائم من الحرب وشوق لحياة طبيعية. يتساءل بمرارة من جديد، بعيدًا عن ابنته المريضة، متى ستنتهي هذه الدوامة: “الحياة جميلة، ولكن متى سنعيشها حقاً؟”









