أزمة مها الصغير: من الشاشة إلى المحكمة الاقتصادية.. تداعيات انتهاك الملكية الفكرية

قضية مها الصغير تصل المحكمة.. ما هي الرسائل الخفية وراء أزمة 'اللوحات المنسوبة'؟

كاتبة ومراسلة إخبارية في منصة النيل نيوز، متخصصة في قسم الفن.

في تطور قضائي لافت، أحالت النيابة العامة المصرية الإعلامية مها الصغير إلى المحكمة الاقتصادية بالقاهرة، لتضع بذلك فصلًا جديدًا في قضية أثارت جدلًا واسعًا حول حدود الإبداع وحقوق الملكية الفكرية في الأوساط الإعلامية والفنية. ويأتي هذا القرار بعد استكمال التحقيقات في اتهامها بالاستيلاء على أعمال فنية لفنانين أوروبيين وعرضها على أنها من إبداعها الشخصي.

منصة العرض إلى قاعة المحكمة

لم تعد القضية مجرد سجال إعلامي أو جدل على منصات التواصل الاجتماعي، بل اتخذت مسارًا قانونيًا حاسمًا. فقرار الإحالة يستند إلى تحقيقات أثبتت، بحسب بيان النيابة، أن مها الصغير عرضت أعمالًا فنية محمية بموجب قوانين الملكية الفكرية دون الحصول على إذن مسبق من أصحاب الحقوق الأصليين. هذا التحرك القضائي يعكس جدية التعامل مع مثل هذه الانتهاكات، خاصة وأن المحكمة الاقتصادية هي الجهة المختصة بالنظر في النزاعات المتعلقة بالحقوق الفكرية والتجارية.

شرارة الأزمة.. تصريحات وجدل

تعود فصول الأزمة إلى حلقة من برنامج «معكم منى الشاذلي» على قناة ON، حيث استعرضت الصغير مجموعة من اللوحات الفنية، ونسبتها إلى موهبتها وشغفها بالفن التشكيلي. وخلال الحلقة، قدمت شرحًا فلسفيًا لإحدى اللوحات التي تصور امرأة مكبلة، معتبرة إياها تعبيرًا عن “سيدات كثيرات يرغبن في الحرية”. هذه التصريحات، التي بدت حينها استعراضًا لموهبة فنية، تحولت لاحقًا إلى دليل إدانة في نظر الفنانين الأصليين ومتابعيهم.

لم يمر وقت طويل حتى فجرت الفنانة الدنماركية ليزا نيلسون مفاجأة مدوية عبر حسابها على “إنستغرام”، حيث كشفت أن إحدى اللوحات الرئيسية التي عرضتها مها الصغير هي في الحقيقة من أعمالها، التي رسمتها عام 2019. واعتبرت نيلسون ما حدث “سرقة فنية واضحة” وانتهاكًا للقانون المصري والدولي، بما في ذلك اتفاقية برن لحماية المصنفات الأدبية والفنية، مشيرة إلى أن الأمر يتجاوز مجرد النسخ إلى الاستيلاء الكامل على العمل ونسبته لغير صاحبه.

أبعاد قانونية وثقافية للقضية

يرى مراقبون أن هذه القضية تتجاوز شخص مها الصغير لتطرح أسئلة أعمق حول الوعي بحقوق الملكية الفكرية في المنطقة العربية. يقول المحلل الثقافي د. حسام عقل: “إن ما حدث يكشف عن فجوة في الثقافة العامة تجاه قيمة العمل الإبداعي الأصلي، فالبعض قد يرى في النسخ أو الاستلهام أمرًا مقبولًا، لكن نسب عمل كامل لشخص آخر هو تعدٍ صريح يتطلب وقفة حاسمة”. ويضيف أن إحالة القضية للمحكمة الاقتصادية قد تشكل سابقة قضائية مهمة ورادعًا لممارسات مشابهة في المستقبل.

وكان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قد اتخذ خطوة استباقية في يوليو الماضي بمنع الصغير من الظهور الإعلامي لمدة ستة أشهر، وهو قرار إداري مهّد الطريق للتحقيق الجنائي. واليوم، تقف القضية على أعتاب مرحلة جديدة قد تنتهي بحكم قضائي يضع معايير واضحة للتعامل مع الإبداع الفني في الفضاء العام.

ماذا بعد؟.. رسالة إلى المبدعين والإعلام

في المحصلة، لم تعد أزمة مها الصغير مجرد خبر عابر، بل تحولت إلى قضية رأي عام تتقاطع فيها أبعاد قانونية وأخلاقية وثقافية. إنها تذكرة قوية بأن العصر الرقمي، الذي سهّل الوصول إلى المحتوى، لم يلغِ حقوق المبدعين الأصليين. ويبقى الحكم المنتظر من المحكمة الاقتصادية هو الذي سيحدد مسار هذه القضية، ويرسل رسالة واضحة حول مدى حماية الإبداع في مصر، ليس فقط كنص قانوني، بل كممارسة فعلية على أرض الواقع.

Exit mobile version