اقتصاد

أزمة رقائق نيكسبريا: هولندا تفتح جبهة جديدة في الحرب التجارية مع الصين

كيف تحولت شركة رقائق إلى ساحة صراع بين القوى العظمى، وماذا يعني ذلك لمستقبل أوروبا التكنولوجي؟

محررة اقتصادية في منصة النيل نيوز، متخصصة في رصد المؤشرات الاقتصادية وصياغتها بلغة واضحة للجمهور

في خطوة غير مسبوقة، وضعت الحكومة الهولندية يدها على شركة الرقائق نيكسبريا المملوكة للصين، لتفتح الباب على مصراعيه أمام مواجهة اقتصادية كبرى. هذه الأزمة تكشف عن عمق الصراع العالمي على أشباه الموصلات، وتضع أوروبا في قلب معركة التنافس بين القوى العظمى التي قد تؤدي فيها مخاطر صغيرة إلى صراعات هائلة.

خلفيات القرار الهولندي

استندت الحكومة الهولندية في قرارها بالسيطرة على “نيكسبريا” إلى قانون يعود لحقبة الحرب الباردة، مصمم لضمان الوصول للسلع الأساسية في الطوارئ. المبرر الرسمي كان وجود أدلة على تضارب مصالح ومحاولة الشركة الأم “وينغتيك تكنولوجي” نقل أصول، لكن السياق الجيوسياسي يشير إلى أبعاد أعمق، حيث تأتي الخطوة في ظل ضغوط أمريكية متزايدة على لاهاي لتشديد القيود على قطاع صناعة الرقائق الصيني.

لم تكن هذه المرة الأولى التي يظهر فيها النفوذ الأمريكي، إذ سبق وخضعت شركة “إيه إس إم إل هولدينغ” الهولندية لضوابط تصدير تقودها واشنطن. كما أن إدراج “وينغتيك” على القائمة السوداء التجارية الأمريكية نهاية العام الماضي، وتصريح مسؤولين أمريكيين بضرورة استبدال الرئيس التنفيذي الصيني لشركة “نيكسبريا”، يؤكد أن القرار الهولندي لم يكن بمعزل عن الصراع الأوسع.

صراع على سلاسل الإمداد

تكمن أهمية “نيكسبريا” في أنها تستحوذ على عُشر السوق العالمي لإمدادات قد تبدو منخفضة التقنية، مثل الترانزستورات والثنائيات، لكنها مكونات لا غنى عنها في كل شيء من السيارات إلى الأجهزة الطبية. هذا التحرك يعكس حالة من الذعر داخل أوروبا إزاء الاعتماد المتزايد على الصين في مجالات حيوية كإعادة التسلح والتصنيع، وربما ندمًا على الموافقة على بيع أصول استراتيجية بمليارات الدولارات لبكين خلال العقد الماضي.

تأتي مصادرة “نيكسبريا” بعد أيام فقط من تشديد الصين قيودها على تصدير المعادن الأرضية النادرة، وهي خطوة استهدفت الولايات المتحدة ظاهريًا لكنها أصابت أوروبا في مقتل. فالصين لا توفر ثلث إمدادات الرقائق الرئيسية فحسب، بل تهيمن أيضًا على تعدين ومعالجة هذه المعادن الأساسية لصناعات السيارات الكهربائية والطائرات المقاتلة، مما يجعل سلاسل الإمداد الأوروبية في وضع حرج.

معضلة أوروبية وتحديات المستقبل

المعضلة التي تواجهها أوروبا الآن هي أن مواجهة الاعتمادية تأتي بتكلفة باهظة. فالرد الانتقامي المتوقع من بكين قد يشمل قيودًا على شحن المنتجات من مصانع “نيكسبريا” في الصين، وهو ما دفع شركات سيارات أوروبية كبرى مثل “فولكس واجن” و”روبرت بوش” للتحذير من نقص وشيك في المعروض، والكفاح لإيجاد مصادر بديلة.

ورثت الحكومة الهولندية معضلة مؤسسية معقدة؛ فشركة “نيكسبريا” أصبحت صينية أكثر من اللازم بالنسبة للهولنديين، وهولندية أكثر من اللازم بالنسبة للصينيين، وحساسة سياسيًا لدرجة يصعب معها بيعها لمالك جديد. هذا الوضع يضع بروكسل أمام تحدٍ كبير، خاصة مع اقتراب الانتخابات البرلمانية الهولندية التي ستكون هذه القضية جزءًا من نقاشاتها.

على المدى الأبعد، تكشف أزمة رقائق نيكسبريا عن ضعف السياسات الصناعية الأوروبية التي افتقرت إلى الإنفاق والثقة. فمن المتوقع أن يفشل الاتحاد الأوروبي في تحقيق هدفه بمضاعفة حصته من إنتاج الرقائق بحلول 2030. لذا، يتعين على أوروبا اتباع استراتيجية متعددة المحاور لمعالجة اعتماديتها في القطاعات الحرجة، وتشمل:

  • تنويع مصادر الإمدادات بشكل أكبر.
  • زيادة الاستثمار المحلي في قطاعات التكنولوجيا الحيوية.
  • اتخاذ تدابير لمواجهة الواردات الرخيصة، مثل فرض رسوم جمركية.
  • تخصيص جزء من ميزانيات الدفاع لكسر هيمنة الصين على المواد الخام، كما يقترح خبراء من معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *