أبل تعيد تعريف سيري: شراكة تاريخية مع جوجل تدفع المساعد الصوتي لعصر الذكاء التوليدي
بعد سنوات من التحديات الداخلية، عملاق كوبرتينو يراهن على «جيميناي» لإنقاذ مساعده الذكي وتجاوز منافسيه

في خطوة تعد الأبرز بتاريخها، تستعد شركة أبل لإعادة تعريف مساعدها الصوتي سيري، معتمدة على تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي من جوجل. الكشف المرتقب خلال النصف الثاني من فبراير المقبل، قد يأخذ شكل فعالية محدودة أو إحاطة إعلامية مغلقة، يُرجح أن تُعقد في المقر الإعلامي للشركة بنيويورك.
هذا التطور لم يأتِ من فراغ. ففي منتصف عام 2025، واجهت أبل تحديات داخلية كبرى. إطلاق منصة Apple Intelligence لم يحقق التوقعات، وتأخر تطوير سيري بشكل ملحوظ. أدرك كبار التنفيذيين أن الشركة تخاطر بالتخلف عن أكبر موجة تقنية منذ ظهور الإنترنت.
دفع هذا القلق كريج فيديرجي، رئيس هندسة البرمجيات، وقيادات أخرى، نحو خيار جذري: تقليص الاعتماد على النماذج الداخلية للذكاء الاصطناعي، والتوجه نحو شراكة مع طرف خارجي قادر على توفير تقنيات ناضجة بسرعة.
أثار هذا التوجه صدمة داخل فريق النماذج الأساسية بأبل، المسؤول عن تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، مع تساؤلات جدية حول مستقبل الفريق ووظائف أفراده. خاصة بعد تداول تقارير إعلامية تحدثت عن احتمال تهميش جهودهم لصالح حلول خارجية.
دخلت أبل في مفاوضات مع شركات رائدة مثل أنثروبيك وأوبن إيه آي، بهدف تزويدها بنماذج لغوية متقدمة تعيد بناء سيري وتدعم بعض وظائف Apple Intelligence. لكن هذه المفاوضات لم تثمر عن اتفاق.
طالبت أنثروبيك بعقود بمليارات الدولارات سنوياً، تمتد لعدة سنوات، وهو ما رأته أبل مبالغاً فيه وغير مناسب. أما علاقة أوبن إيه آي فكانت معقدة، خاصة مع سعيها لاستقطاب مهندسين من أبل ومشاريعها الخاصة بالعتاد بالتعاون مع المصمم السابق في أبل، جوني آيف، ما اعتُبر تضارباً استراتيجياً مباشراً.
تجدر الإشارة إلى أن أبل اعتمدت منذ 2024 على تشغيل منصة ChatGPT مباشرة داخل أنظمة تشغيل أجهزتها، لتحسين نتائج البحث عبر سيري وكذلك تشغيل العديد من المزايا من حزمة خدمات Apple Intelligence الذكية.
جوجل، التي لم تكن المرشح الأول في البداية، عادت إلى الواجهة رغم القضايا القانونية المرتبطة بعقود الشراكة مع أبل لوضع محرك البحث Google Search كخيار افتراضي على مختلف أجهزتها. لكن التطور السريع لنماذج جيميناي خلال أشهر قليلة، ومرونة جوجل المالية، دفع أبل إلى إعادة تقييم موقفها.
كما لعب حكم قضائي أميركي صدر في سبتمبر دوراً حاسماً، إذ قضى بعدم إلغاء اتفاق البحث القائم بين الشركتين، والذي تُقدّر قيمته بنحو 20 مليار دولار سنوياً. هذا خفف المخاطر القانونية لتوسيع الشراكة.
بحلول نوفمبر 2025، كانت الشركتان قريبتين من الاتفاق النهائي، على أن تزود جوجل أبل بنماذج جيميناي لتشغيل سيري ودعم ميزات مستقبلية ضمن Apple Intelligence. جوجل بدأت بالإشارة علناً لهذه الشراكة عبر منشورات وتصريحات إعلامية في يناير الجاري، بينما حافظت أبل على تحفظها المعتاد، مكتفية بتأكيد الاتفاق للصحافيين دون إعلان رسمي.
أبل الآن على بعد أسابيع من الكشف الرسمي عن سيري المدعومة بجيميناي، في خطوة تهدف إلى الوفاء بالوعود التي أطلقتها خلال مؤتمر المطورين العالمي WWDC 2024. ستصل النسخة الجديدة ضمن تحديث iOS 26.4، الذي يدخل مرحلة الاختبارات التجريبية خلال فبراير، على أن يُطرح لعموم المستخدمين في مارس أو أوائل أبريل.
تعتمد هذه النسخة على نموذج داخلي يُعرف باسم Apple Foundation Models v10، بقدرة 1.2 تريليون معلمة، ويعمل على خوادم Private Cloud Compute التابعة لأبل، رغم استناد بنيته الأساسية لتقنيات جيميناي. ستوفر سيري فهماً أعمق لبيانات المستخدم الشخصية، وقدرة متقدمة على تحليل محتوى الشاشة والتفاعل معه، إضافة إلى تنفيذ أوامر أكثر تعقيداً عبر التطبيقات المختلفة، مع تحسينات ملحوظة في دقة الإجابات وسرعة الاستجابة.
هذه الخطوة ليست سوى البداية. فبحسب تقرير بلومبرغ، تعتزم أبل الكشف خلال مؤتمر WWDC 2026 عن نسخة معاد تصميمها بالكامل من سيري، تحمل الاسم الرمزي Campos، وتُطرح ضمن أنظمة iOS 27 وiPadOS 27 وmacOS 27. ستعتمد هذه النسخة على نموذج أكثر تقدماً يُعرف داخلياً باسم Apple Foundation Models v11، يُتوقع أن يكون بمستوى منافس لنموذج Gemini 3، وأكثر تطوراً بشكل ملحوظ من النموذج المستخدم في iOS 26.4.
ستقدم سيري الجديدة تجربة محادثة متواصلة أقرب إلى ما يقدمه ChatGPT وجيميناي وكوبايلوت، مع فهم عميق للسياق وقدرة على إدارة حوارات طويلة ومعقدة. تبحث أبل وجوجل إمكانية تشغيل هذه النسخة المتقدمة مباشرة على البنية السحابية لجوجل، والاستفادة من وحدات المعالجة المتخصصة TPUs، بدلاً من خوادم أبل، بهدف تحسين الأداء والدقة والاستجابة.
يعكس هذا التحول إعادة ضبط شاملة لاستراتيجية أبل في مجال الذكاء الاصطناعي، بقيادة كريج فيديرجي، الذي تولى عملياً زمام هذا الملف بعد تراجع ثقة الرئيس التنفيذي تيم كوك في رئيس الذكاء الاصطناعي السابق جون جياناندريا، والذي جرى تهميشه داخلياً قبل خروجه من المشهد في أواخر 2025. أبل باتت ترى النماذج السحابية القوية حجر الأساس لمستقبل سيري، حتى لو تطلب الأمر التعامل مع الذكاء الاصطناعي كخدمة تُشترى، لا ميزة داخلية حصرية.









