الأخبار

أبطال بورسعيد: قصص من المقاومة الشعبية ضد العدوان الثلاثي 1956

زينب الكفراوي والسيد عسران وآخرون: رموز الصمود في المدينة الباسلة

احتفلت مصر بذكرى النصر على العدوان الثلاثي، في مناسبة تجدد الفخر بملحمة بورسعيد البطولية. سطر أبناء المدينة فصولاً خالدة في مواجهة الاحتلال، مؤكدين قدرة الإرادة الشعبية على الانتصار مهما بلغت قوة المعتدي. وتسلط هذه الذكرى الضوء على أبطال المقاومة الشعبية في بورسعيد، الذين قدموا أمثلة بارزة في التضحية والدفاع عن كرامة الوطن.

احتفلت مصر في 23 ديسمبر بالذكرى التاسعة والستين لدحر العدوان الثلاثي، الذي قادته بريطانيا وفرنسا وإسرائيل. جاء هذا العدوان رداً على إعلان الزعيم الراحل جمال عبد الناصر بتأميم قناة السويس. سطرت مدن القناة، وبخاصة بورسعيد، ملحمة وطنية ضد قوى استعمارية سعت لإبقاء مصر تحت هيمنتها ونزع سيادتها، لكن الرد الشعبي جاء حاسماً وأبطل المؤامرة.

أبرز أبطال المقاومة الشعبية في بورسعيد

زينب الكفراوي: أيقونة المقاومة الشعبية في بورسعيد

برزت زينب محمد الكفراوي كأحد أبرز رموز المقاومة الشعبية في تاريخ مصر الحديث، وارتبط اسمها ببطولات مدينة بورسعيد خلال العدوان الثلاثي عام 1956.

قدمت زينب نموذجاً للشجاعة والصمود، وأسهمت بدور فاعل في مواجهة الاحتلال، لتظل قصتها دليلاً على قوة الإرادة الوطنية.

 زينب الكفراوي
زينب الكفراوي

النشأة وبدايات الوعي الوطني

وُلدت زينب الكفراوي في بورسعيد، ونشأت ضمن أسرة بسيطة ذات حس وطني. تشكل وعيها مبكراً على رفض الوجود الأجنبي، بحكم موقع المدينة الاستراتيجي عند مدخل قناة السويس، ما رسخ لديها قناعة بأن الدفاع عن الوطن واجب لا يقبل التردد.

الانضمام إلى المقاومة الشعبية

مع اندلاع العدوان الثلاثي في 29 أكتوبر 1956، انضمت زينب، وهي في بداية العشرينات من عمرها، إلى صفوف المقاومة الشعبية، غير متأخرة عن أداء دورها الوطني، وواضعة حياتها على المحك دون انتظار مقابل.

أدوار بطولية في قلب المعركة

أدت زينب الكفراوي مهاماً بالغة الخطورة، مستغلة ذكاءها وقدرتها على التخفي. شملت أبرز أدوارها:

  • نقل السلاح والذخيرة داخل ملابسها دون إثارة الشبهات.
  • تمرير الرسائل والتعليمات السرية بين مجموعات الفدائيين.
  • إخفاء المقاومين داخل منزلها ومنازل أقاربها.
  • رصد تحركات القوات البريطانية والفرنسية داخل المدينة.

اعتمدت في ذلك على جرأتها وحنكتها، مستفيدة من كونها امرأة، ما لم يكن متوقعاً من جانب قوات الاحتلال.

الاعتقال والصمود

لم تمر تحركات زينب دون ملاحظة، حيث ألقت القوات البريطانية القبض عليها للاشتباه في نشاطها. تعرضت خلال اعتقالها لتعذيب بدني ونفسي شديد، إضافة إلى التهديد بالإعدام والسجن المؤبد، في محاولات متكررة لإجبارها على الكشف عن أسماء قادة المقاومة.

رغم قسوة ما واجهته، تمسكت بالصمت ورفضت الإدلاء بأي معلومات، لتضرب مثالاً نادراً في الصمود والتضحية.

بعد النصر: بطولة بلا ادّعاء

عقب انسحاب قوات الاحتلال، أُفرج عن زينب الكفراوي. عادت إلى حياتها الطبيعية بعيداً عن الأضواء، ورفضت استغلال بطولاتها لتحقيق مكاسب شخصية، مفضلة أن تبقى قصتها جزءاً من الذاكرة الوطنية.

تكريم وتخليد اسم زينب الكفراوي

حظيت زينب الكفراوي بتكريم رسمي من الدولة المصرية كأحد رموز المقاومة الشعبية. تُروى سيرتها في الندوات الوطنية والمدارس، وارتبط اسمها بلقب «سيدة المقاومة الشعبية» في بورسعيد.

زينب الكفراوي: رمز خالد

أثبتت زينب الكفراوي أن الدفاع عن الوطن لا يرتبط بنوع أو منصب. واجهت الاحتلال بإرادة صلبة وقدمت نموذجاً للتضحية الصامتة دون انتظار مقابل.

لم تحمل زينب الكفراوي رتبة عسكرية، لكنها حملت شرف الوطن وخلّدت اسمها في سجل البطولة المصرية.

 السيد عسران
السيد عسران

السيد عسران: عقل المقاومة الشعبية وذراعها الضاربة في بورسعيد

برز السيد عسران كأحد أبرز قادة المقاومة الشعبية في بورسعيد خلال العدوان الثلاثي عام 1956. جمع بين الوعي التنظيمي والجرأة الميدانية والعمل المسلح، ولعب دوراً محورياً في إدارة العمليات الفدائية داخل المدينة، مسهماً في إنهاك قوات الاحتلال وزعزعة سيطرتها.

نشأة السيد عسران والخلفية الوطنية

وُلد السيد عسران في بورسعيد، ونشأ في بيئة شعبية عايشت الاحتلال وأدركت مخاطره على الوطن والهوية. قبل اندلاع العدوان، عُرف بالتزامه الوطني ومشاركته في الأنشطة العامة، ما أهّله نفسياً وتنظيمياً للاضطلاع بدور قيادي عند المواجهات.

مع اندلاع العدوان: قيادة من قلب الشارع

مع نزول القوات البريطانية والفرنسية إلى شوارع بورسعيد في أكتوبر 1956، كان السيد عسران من أوائل من انخرطوا في تشكيل خلايا المقاومة الشعبية. أسهم في بناء هيكل تنظيمي مرن يعتمد على تقسيم المجموعات إلى خلايا صغيرة مستقلة، بهدف تقليل الخسائر وتعقيد مهمة قوات الاحتلال.

مهام تنظيمية وعسكرية دقيقة

قام السيد عسران بعدد من المهام المحورية، أبرزها:

  • تأسيس وتنظيم مجموعات فدائية تعمل بسرية تامة.
  • تخطيط وتنفيذ العمليات المسلحة داخل الأحياء السكنية.
  • توزيع الأدوار بين الرصد والتنفيذ والتأمين.
  • التنسيق مع عناصر من الشرطة وضباط جيش متواجدين سراً داخل المدينة.

كان يؤمن بأن الضربات الخاطفة والانسحاب الآمن يمثلان الركيزة الأساسية لإرباك العدو واستنزافه نفسياً وميدانياً.

عمليات أربكت الاحتلال

رغم الطابع السري لتفاصيل العمليات، تُنسب إلى السيد عسران ومجموعته عدة هجمات نوعية، منها:

  • مهاجمة دوريات الاحتلال في أحياء العرب والمناخ والضواحي.
  • استهداف مخازن الإمداد ومراكز الاتصال التابعة للقوات المعتدية.
  • زرع عبوات بدائية الصنع في طرق تحرك القوات.
  • تنفيذ كمائن سريعة أربكت قوات الاحتلال وأفقدتها الشعور بالأمان.

أسهمت هذه العمليات في فرض حالة من التوتر الدائم داخل مدينة كانت قوات الاحتلال تفترض السيطرة الكاملة عليها.

المطاردة والاختفاء

مع تزايد العمليات، أدركت قوات الاحتلال وجود قائد ميداني يقف خلف العديد من الهجمات. وضعت السيد عسران على قوائم المطلوبين، وداهمت منازل أقاربه، وفرضت حظر تجول مشدداً، وعرضت مكافآت مالية للإبلاغ عنه.

رغم ذلك، نجح في الإفلات من القبض عليه بفضل دعم أهالي بورسعيد، الذين وفروا له الحماية والتنقل الآمن بين المنازل، رافضين تسليمه رغم شدة القمع.

بعد انسحاب الاحتلال

عقب انسحاب القوات المعتدية في ديسمبر 1956، توقفت العمليات المسلحة فوراً التزاماً بقرار الدولة. رفض السيد عسران الظهور الإعلامي أو الادعاء بالبطولة، مفضلاً العودة إلى حياته الطبيعية كمواطن عادي، بينما ظل اسمه حاضراً في الذاكرة الشعبية للمدينة.

مكانته في التاريخ الوطني

يُصنف السيد عسران كأحد القادة الميدانيين البارزين للمقاومة الشعبية في بورسعيد. ورد اسمه في شهادات معاصرين وكتب تناولت تاريخ «المدينة الباسلة»، ويمثل نموذجاً للقيادة الشعبية الواعية التي خاضت المعركة دون رتبة عسكرية، لكنها امتلكت وعياً وإرادة لا تقل عن الجيوش النظامية.

لماذا يُعد السيد عسران رمزاً؟

أثبت السيد عسران أن التنظيم الشعبي قادر على مواجهة جيش نظامي، وقاد رجالاً عاديين وحولهم إلى فدائيين. قاتل في صمت ثم اختفى دون انتظار مجد أو منصب.

لم يسعَ السيد عسران إلى الأضواء، لكنه ترك أثراً لا يُمحى في تاريخ بورسعيد والمقاومة الشعبية المصرية.

أبطال آخرون من المقاومة الشعبية في بورسعيد

برز عدد من الأبطال الآخرين الذين لعبوا أدواراً محورية في مقاومة العدوان الثلاثي، وسطروا أسماءهم في سجل التاريخ الوطني. من أبرزهم:

  • الشهيد محمد مهران: أحد أشهر رموز المقاومة الشعبية، عُرف بصموده بعد أسره ورفضه الإدلاء بأي معلومات عن زملائه رغم التعذيب.
  • زكريا عياد: من قيادات العمل الفدائي في بورسعيد، أسهم في تنظيم صفوف المقاومة وتنفيذ العديد من العمليات ضد قوات الاحتلال.
  • كمال الدين رفعت: كان له دور بارز في دعم وتنظيم المقاومة الشعبية والتنسيق بين الفدائيين.
  • عبد الرحمن شمس الدين: شارك في تنفيذ عمليات فدائية مؤثرة أربكت قوات الاحتلال داخل المدينة.
  • فاطمة رفعت: قدمت نموذجاً للمرأة البورسعيدية، وشاركت في نقل السلاح والرسائل ودعم الفدائيين.
  • علي شمس الدين: من المقاومين الذين ساهموا في أعمال الرصد والمواجهة المباشرة ضد قوات العدوان.

أكد مؤرخون أن بطولات المقاومة الشعبية لم تقتصر على أسماء بعينها، بل كانت جهداً جماعياً شارك فيه أبناء بورسعيد بمختلف فئاتهم، في ملحمة وطنية جسدت معنى التضحية والفداء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *