هيمنة الأسهم الأوروبية في 2024: تحليل تفوق تاريخي لم يحدث سوى 3 مرات
من قوة اليورو إلى التقييمات الجذابة، كيف استعادت أسواق القارة العجوز ثقة المستثمرين العالميين على حساب وول ستريت؟

في تحول لافت للأنظار، استحوذت الأسواق الأوروبية على نصف المراكز العشرين الأولى لأفضل أسواق الأسهم أداءً على مستوى العالم هذا العام، وهو إنجاز لم تسجله المنطقة إلا ثلاث مرات فقط منذ إطلاق اليورو. هذا التطور لا يمثل مجرد انتعاش، بل يعكس إعادة تموضع استراتيجي لرؤوس الأموال العالمية بعيداً عن السردية التي هيمنت طويلاً حول تفوق الاقتصاد الأمريكي، خاصة وأن معظم التوقعات في بداية العام كانت تشير إلى مكاسب هامشية في أوروبا مقابل استمرار هيمنة وول ستريت.
[IMG-SRC-1]
### 1. أكثر من 60%: كيف قادت أسواق أوروبا الناشئة موجة الصعود؟
لم يكن التفوق الأوروبي موحداً، بل كان مدفوعاً بشكل كبير بأداء استثنائي في أسواقها الطرفية والناشئة، مما يكشف عن شهية متزايدة للمخاطرة داخل القارة. حققت أسواق مثل المجر وسلوفينيا وجمهورية التشيك مكاسب مقومة بالدولار تجاوزت 60%، وهو أداء يضعها ضمن أفضل عشرة أسواق عالمية، نتيجة مباشرة لتدفقات استثمارية بحثت عن فرص نمو وتقييمات منخفضة لم تكن متوفرة في الأسواق الكبرى. وفي المقابل، ورغم أن ألمانيا، أكبر اقتصاد في المنطقة، سجلت نمواً بنسبة 20% باليورو، إلا أن هذا الرقم تضخم إلى 34% عند تقييمه بالدولار، مما يبرز الدور المحوري الذي لعبته العملة في تعزيز عوائد المستثمرين الأجانب. هذا التباين يسلط الضوء على أن القصة الأوروبية هذا العام كانت ذات شقين: نمو عضوي في أسواق محددة، وتأثير مضاعف من متغيرات الاقتصاد الكلي.
### 2. عامل اليورو: كيف أضاف ارتفاع بنسبة 12% زخماً للعوائد؟
يعود جزء كبير من هذا الأداء المتفوق، عند مقارنته بالأسهم الأمريكية، إلى الديناميكيات النقدية والمالية. فقد أدى ارتفاع اليورو بنسبة 12% مقابل الدولار إلى تضخيم عوائد الأسهم الأوروبية للمستثمرين المقيمين بالدولار، مما جعل مؤشر “ستوكس 600” في طريقه لتسجيل أفضل أداء له مقابل مؤشر “S&P 500” منذ عام 2006. هذا الصعود للعملة الموحدة لم يكن مصادفة، بل كان مدعوماً بتوقعات تحول ألمانيا نحو سياسة مالية توسعية، مع خطط لإنفاق مليارات على الدفاع والبنية التحتية، مما يعزز النمو المحلي ويقلل الاعتماد على الصادرات. وفي الوقت نفسه، أدت التعريفات الجمركية التي فرضتها إدارة ترامب إلى تراجع جاذبية الدولار، مما أثار تساؤلات حول استدامة ما يُعرف بـ “الاستثنائية الأمريكية” ودفع المستثمرين للبحث عن بدائل.
[IMG-SRC-2]
### 3. تشريح الرالي: البنوك والدفاع والطاقة تقود التفوق القطاعي
على عكس السوق الأمريكية التي يهيمن عليها قطاع التكنولوجيا، كان الصعود الأوروبي أكثر تنوعاً، مما وفر للمستثمرين ملاذاً من المخاوف المتزايدة بشأن فقاعة تكنولوجية محتملة في الولايات المتحدة. قادت أسهم البنوك الأوروبية المكاسب بارتفاع مذهل بلغ 67%، مدفوعة بأرباح قوية وانتعاش أنشطة الاندماج والاستحواذ في بيئة أسعار فائدة مستقرة. بالتوازي، قفزت أسهم شركات الدفاع مثل “راينميتال” و”ليوناردو” نتيجة للالتزامات الحكومية بزيادة الإنفاق العسكري لسنوات قادمة. أما قطاع الطاقة المتجددة، فقد استفاد من الطلب الهيكلي لتزويد البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالطاقة، مما يوضح كيف أن أوروبا تستفيد من الثورة التكنولوجية ولكن من زاوية مختلفة وأقل تقلباً. هل يمكن اعتبار هذا التنوع القطاعي ميزة استراتيجية طويلة الأجل لأوروبا؟
### 4. فجوة التقييم: هل لا تزال الأسهم الأوروبية “رخيصة”؟
على الرغم من الارتفاعات القوية، لا تزال الأسهم الأوروبية تقدم حالة استثمارية جذابة من منظور التقييم. يتم تداول مؤشر “ستوكس 600” بخصم يصل إلى 35% مقارنة بمؤشر “S&P 500” على أساس مكرر الأرباح الآجلة، وهي فجوة تاريخية. هذا يعني أن أي تحسن طفيف في توقعات الأرباح، بعد نمو شبه صفري في العام الماضي، قد يكون كافياً لدفع السوق إلى مستويات أعلى. وتشير التوقعات إلى أن أرباح شركات “ستوكس 600” قد تقفز بنسبة 11% العام المقبل، مقتربة من نمو أرباح نظيراتها الأمريكية المتوقع عند 13%، مما يشير إلى أن الفجوة في الأداء الأساسي بين المنطقتين بدأت تضيق أخيراً بعد سنوات من التباعد.
[IMG-SRC-3]
مع ذلك، لا يخلو المشهد من تحديات. تحذر أصوات مثل مارينا زافولوك، كبيرة استراتيجيي الأسهم الأوروبية في “[مورغان ستانلي](https://www.morganstanley.com/im/en-gb/institutional-investor/insights/investment-insights/on-the-markets-european-equities-outlook.html)”، من أن توقعات الأرباح قد تكون متفائلة بشكل مفرط، مما يفتح الباب أمام مراجعات سلبية. كما أن عدم الاستقرار السياسي في فرنسا والمنافسة الشرسة من الصين في قطاعات حيوية تشكل مخاطر لا يمكن تجاهلها. ورغم هذه التحفظات، فإن تحول تدفقات رؤوس الأموال واضح، حيث جذبت صناديق الأسهم الأوروبية 52 مليار دولار هذا العام، في انعكاس كامل للنزوح الذي بلغ 66 مليار دولار العام الماضي. يبدو أن المستثمرين قد صوتوا بأموالهم، لكن السؤال الحقيقي الآن هو ما إذا كان الأداء الاقتصادي الفعلي في أوروبا سيبرر هذه الثقة المتجددة.







