اقتصاد

مصر والجزائر: هل تشكل شراكتهما الدوائية نواة لسيادة صحية أفريقية؟

تحليل اقتصادي للقاء الوزاري الأخير وتأثيره على موازين القوى في سوق الدواء الأفريقي الذي يتجاوز 30 مليار دولار.

صحفي اقتصادي في منصة النيل نيوز، متخصص في متابعة أسواق المال والتقارير الاقتصادية المحلية والعالمية

في قارة تستورد ما يزيد عن 70% من احتياجاتها الدوائية، لم يكن لقاء وزير قطاع الأعمال العام المصري، المهندس محمد شيمي، مع الوزير الأول الجزائري، سيفي غريب، مجرد إجراء دبلوماسي، بل هو مؤشر اقتصادي على تحول استراتيجي يهدف إلى إعادة رسم خريطة الإنتاج الصحي في أفريقيا. هذا الاجتماع، الذي جاء على هامش المؤتمر الوزاري الأفريقي للإنتاج المحلي للأدوية، يمثل تفعيلاً عملياً لإرادة سياسية عليا تجسدت قبل أيام قليلة في القاهرة، مما يحول النوايا إلى خطوات اقتصادية محسوبة.

### 1. من 800 مليون دولار إلى شراكة استراتيجية

يبلغ حجم التبادل التجاري الحالي بين مصر والجزائر حوالي 800 مليون دولار، وهو رقم لا يعكس الإمكانات الحقيقية لاقتصادين بهذا الحجم، مما جعل التحركات الأخيرة ضرورة اقتصادية وليست خيارًا. اللقاء الوزاري الأخير لم يأتِ من فراغ، بل هو امتداد مباشر لأعمال الدورة التاسعة للجنة العليا المشتركة التي أسفرت عن توقيع حزمة من الاتفاقيات، وبالتالي فإن التركيز على قطاع الدواء الآن هو خطوة تالية منطقية لترجمة هذه الاتفاقيات إلى مشاريع ملموسة. اختيار قطاع الدواء تحديداً ينبع من كونه قطاعًا ذا سيادة وأمن قومي، حيث أظهرت جائحة كورونا هشاشة سلاسل الإمداد العالمية، وهو ما دفع دولًا مثل مصر والجزائر إلى اعتبار التصنيع المحلي ضرورة حتمية لضمان الاستقرار.

> **هل يمكن لهذا التعاون أن يتجاوز التحديات البيروقراطية واللوجستية التي أعاقت تاريخيًا التجارة البينية الأفريقية؟**

### 2. معادلة اقتصادية رابحة: خبرة مصرية وسوق جزائرية

تكمن القوة الدافعة لهذه الشراكة في التكامل الاقتصادي الواضح؛ فمصر، من خلال الشركة القابضة للأدوية التابعة لوزارة قطاع الأعمال العام، تمتلك بنية تحتية صناعية وخبرات فنية متراكمة تمتد لعقود، بينما تمثل الجزائر سوقًا استهلاكيًا كبيرًا وبوابة استراتيجية نحو أسواق غرب أفريقيا. إقامة مشاريع مشتركة لا تعني فقط تلبية احتياجات السوقين المحليين، بل تهدف إلى خلق كيان إنتاجي قادر على المنافسة في السوق الأفريقية الأوسع، والذي تقدر قيمته بمليارات الدولارات. هذا التحالف يقلل من تكاليف الإنتاج عبر تحقيق وفورات الحجم (Economies of Scale) ويؤسس لعلامة تجارية أفريقية قوية في مجال المستلزمات الطبية، مما يقلص الاعتماد على الاستيراد الباهظ من خارج القارة.

### 3. أبعد من مجرد أدوية: تحقيق السيادة الصحية

إن الهدف النهائي يتجاوز مجرد إنتاج الأدوية ليصل إلى مفهوم “السيادة الصحية”، وهو مصطلح اكتسب زخمًا هائلاً بعد عام 2020. تحقيق هذه السيادة يعني امتلاك القدرة على تصنيع اللقاحات والأدوية الحيوية والمستلزمات الطبية الأساسية محليًا، مما يمنح الدول استقلالية في إدارة الأزمات الصحية ويحولها من مجرد مستهلك إلى لاعب فاعل في قطاع التكنولوجيا الصحية. المشاركة المصرية في مؤتمر الجزائر لم تكن رمزية، بل كانت تأكيدًا على أن القاهرة ترى في هذا التعاون جزءًا من رؤية أفريقية أوسع، حيث يمكن للشراكات الثنائية القوية أن تكون حجر الأساس لتحقيق أمن صحي قاري شامل. للمزيد من المعلومات حول جهود التصنيع الدوائي في أفريقيا، يمكن الاطلاع على تقارير [البنك الأفريقي للتنمية](https://www.afdb.org/en/news-and-events/press-releases/african-pharmaceutical-technology-foundation-charter-comes-force-major-boost-continents-drug-and-vaccine-manufacturing-57011).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *