كشف سر صمود خلايا الدماغ أمام الزهايمر: فريق ‘الطوارئ الخلوي’ يظهر على الساحة
دراسة حديثة تحدد الآلية التي تحمي الخلايا العصبية من تراكم بروتينات 'تاو' السامة

كشفت دراسة علمية حديثة عن قدرة بعض خلايا الدماغ على مقاومة العمليات السامة المرتبطة بمرض الزهايمر وأنواع أخرى من الخرف. وقد تمكن العلماء الآن من تحديد ما أطلقوا عليه ‘فريق الطوارئ الخلوي’ الذي يحافظ على صحة الخلايا العصبية.
تتميز الأمراض العصبية التنكسية، مثل الخرف، بتراكم البروتينات في الدماغ التي تقتل الخلايا العصبية. وتُعد بروتينات ‘تاو’ أحد المسببات الرئيسية، لكنها ليست دائماً شراً محضاً. ففي حالتها الوظيفية الطبيعية، تساعد هذه البروتينات على استقرار هياكل الدماغ وتسهيل نقل المغذيات. لكن بروتينات ‘تاو’ المطوية بشكل خاطئ تتكتل معاً، وتشير درجة التكتل الأعلى إلى مراحل أكثر تقدماً من الأمراض العصبية التنكسية.
في دراسة حديثة، استخدم باحثون من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس (UCLA Health) وجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو (UC San Francisco) تقنية الفحص القائمة على ‘كريسبر’ لاستكشاف تراكم بروتين ‘تاو’ في خلايا عصبية نمت مخبرياً ومستمدة من خلايا جذعية بشرية. لكن هناك جانب فريد ذو صلة وثيقة.
يقول الدكتور آفي ساميلسون، الأستاذ المساعد في طب الأعصاب والكيمياء البيولوجية في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس والمؤلف الأول للدراسة: “ما يجعل هذه الدراسة ذات قيمة خاصة هو أننا استخدمنا خلايا عصبية بشرية تحمل طفرة حقيقية مسببة للمرض”. ويضيف ساميلسون: “هذه الخلايا لديها اختلافات طبيعية في معالجة بروتين تاو، مما يمنحنا الثقة بأن الآليات التي حددناها ذات صلة بالمرض البشري”.
تؤدي الطفرة المسببة للمرض، والمعروفة باسم MAPT V337M، إلى زيادة تكتل بروتينات تاو التي تتخذ شكلاً ضاراً يُعرف باسم “طي الزهايمر”.
في السابق، قام الباحثون بتمشيط الجينوم البشري للكشف عن العوامل التي تعدل خطر الإصابة بالمرض، ولكن ليس آلياتها الجزيئية الكامنة. ووصف آخرون اختلافات بين الخلايا العصبية، لكنهم افتقروا إلى الأساس التجريبي اللازم لتحديد السببية.
يقول مارتن كامبمان، أستاذ الكيمياء الحيوية والفيزياء الحيوية في جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو والمؤلف الرئيسي للدراسة: “إنها المرة الأولى التي نتمكن فيها من فحص الخلايا العصبية البشرية بحثاً عن الجينات التي تحدد مرونتها تجاه تاو”.
باستخدام تقنية ‘كريسبر’، قام الباحثون بفحص منهجي “لكل جين تقريباً في الجينوم البشري”. لقد قاموا بتعطيل أو إزالة 20 ألف جين فردي في الخلايا العصبية البشرية المخبرية لتحديد كيف يؤثر كل جين على تكتل بروتين تاو السام. وبشكل عام، تورط أكثر من 1000 جين في تراكم التكتلات الضارة بالدماغ.
“فريق الطوارئ الخلوي” يكشف عن هويته
حدد الفحص الإضافي لاعباً رئيسياً، وهو مركب بروتيني يُدعى CRL5SOCS4، يساعد خلايا الدماغ على مقاومة تراكم بروتين تاو السام. يقوم CRL5SOCS4 بذلك عن طريق ربط علامة جزيئية ببروتينات تاو، مما يضع علامة عليها لتدميرها بواسطة البروتيازومات، وهي وحدات “التخلص من النفايات” في الخلايا.
للتأكد مما إذا كانت النتائج المخبرية تتطابق مع الملاحظات في الحالات الفعلية، استشار الباحثون أطلس سياتل لأدمغة مرضى الزهايمر، وهو تجميع للبيانات المستمدة من أنسجة دماغ المرضى المتوفين المصابين بالزهايمر. ووفقاً لذلك، وجد الباحثون أن خلايا الدماغ ذات التعبير الأعلى لـ CRL5SOCS4 أظهرت قدرة أكبر على البقاء.
الميتوكوندريا: محركات الخلية وعلاقتها بـ “تاو”
يمكن أن تنتج مكونات تاو السامة أيضاً عن خلل في الميتوكوندريا. وكما هو معروف على نطاق واسع، فإن الميتوكوندريا هي “محطات الطاقة” في الخلية. وعندما قام الباحثون بتعطيل الجينات التي تؤثر على وظيفة الميتوكوندريا، أدت هذه الخطوة إلى توليد شظايا بروتين تاو.
هذه الشظايا صغيرة ولكنها تشبه علامة حيوية دقيقة للغاية موجودة في الدم والسائل النخاعي لمرضى الزهايمر. ويبدو أن الخلايا تنتج هذه الشظايا من تاو استجابةً للإجهاد التأكسدي، وهو شكل من أشكال الإجهاد يحدث أثناء إنتاج الطاقة ويزداد مع التقدم في العمر والتنكس العصبي. ونتيجة لذلك، يمكن أن يؤدي الخلل في جينات الميتوكوندريا إلى جعل بروتين تاو أكثر “التصاقاً” وأكثر عرضة للتكتل.

آفاق علاجية واعدة: تعزيز دفاعات الجسم الطبيعية
بشكل عام، تسلط هذه الدراسة الضوء على كيفية كشف طرق الفحص الجيني عن آليات مرضية غير معروفة. فعلى سبيل المثال، وجد الباحثون بعض المسارات الجديدة المثيرة للاهتمام التي تتحكم في مستويات تاو، على الرغم من عدم اليقين بشأن كيفية عملها.
إضافة إلى ذلك، يجب على الأطباء إيجاد طرق لترجمة هذه النتائج إلى علاجات قابلة للتطبيق. ويقترح الباحثون خيارين علاجيين. الأول هو تعزيز نشاط CRL5SOCS4، مما يؤدي إلى إزالة أكثر فعالية لبروتينات تاو قبل أن تتكتل. إحدى الطرق لتحقيق ذلك هي إيجاد جزيئات تقوي التفاعل بين CRL5SOCS4 وتاو. وقد تهدف العلاجات أيضاً إلى حماية البروتيازومات من الإجهاد التأكسدي، لأن البروتيازوم المجهد لا يستطيع معالجة بروتينات تاو بشكل صحيح.
وكما هو الحال مع الأمراض الأخرى، ربما تكون البيولوجيا البشرية قد حققت بالفعل أكثر العلاجات فعالية من خلال التجربة والخطأ التطوري. يقول كامبمان: “ربما يمكن للعلاج المستقبلي أن يعزز آلية الجسم الطبيعية لتجنب التنكس العصبي”.
نشر هذا البحث في مجلة ‘سيل’ (Cell).









