تكنولوجيا

صدمة “تيك توك” الأميركي: رحيل جماعي ومنافسون جدد يقتحمون الساحة

تغيير شروط الخصوصية ومخاوف الرقابة تدفع المستخدمين نحو بدائل صاعدة مثل Skylight وUpScrolled

محرر أخبار تقنية في النيل نيوز، يهتم بتغطية المستجدات في عالم التكنولوجيا والإنترنت

بعد إتمام صفقة الاستحواذ الأميركي على عمليات تطبيق “تيك توك”، بدأت منصات رقمية جديدة تقتحم الساحة بقوة. يواجه عملاق الفيديوهات القصيرة في الولايات المتحدة مخاوف وتحديات متزايدة، عززت من صعود منافسين لم يكونوا بالحسبان قبل أسابيع قليلة.

هذه التحديات تتنوع بين قضايا حساسة تتعلق بخصوصية المستخدمين، بعد تعديلات مفاجئة في شروط الاستخدام، ومشكلات تقنية أثرت على خوادم المنصة داخل أميركا. وصل الأمر إلى رحيل شبه جماعي لقطاعات من المستخدمين، اتجهوا نحو شبكات بديلة صاعدة.

يوم واحد فقط عقب انتقال سيطرة “تيك توك” إلى المجموعة الأميركية TikTok USDS Venture LLC، تلقى الأميركيون إشعارات تطالبهم بالموافقة على تحديث شروط الاستخدام وسياسات الخصوصية. رغم أن غالبية المستخدمين يضغطون زر الموافقة دون تدقيق، كشفت تقارير إخبارية، منها ما نشرته مجلة Wired، عن زيادة ملحوظة في حجم المعلومات التي ستجمعها المنصة. يشمل ذلك الموقع الجغرافي الدقيق للمستخدمين.

لم تكن منصة الفيديوهات القصيرة تجمع بيانات الموقع الجغرافي الدقيق للمستخدمين داخل الولايات المتحدة سابقاً. لكن التحديث الجديد يمنح “تيك توك” القدرة على تتبع أماكن تواجد المستخدمين بدقة أثناء استخدامهم التطبيق. هذا يتشابه مع سياسات جمع البيانات المتبعة في تطبيقات اجتماعية أخرى مثل إنستغرام و”إكس”.

كما أبدت النسخة المحدثة من “تيك توك” اهتماماً غير مسبوق بتفاعلات المستخدمين مع أدوات الذكاء الاصطناعي. ستجمع المنصة معلومات حول الأوامر النصية التي يكتبها المستخدمون لإنشاء المحتوى، وكذلك النتائج المولدة بالذكاء الاصطناعي. إضافة لذلك، ستشمل شروط الاستخدام الجديدة جمع المعلومات الوصفية (Metadata) مثل توقيت الاستخدام وعدد مرات التفاعل مع أدوات الذكاء الاصطناعي المتاحة.

يسمح التحديث الأخير أيضاً باستخدام بيانات المستخدمين في الاستهداف الإعلاني عبر مواقع الإنترنت المختلفة خارج المنصة، وهو ما كان مختلفاً في السابق.

لم تقتصر المخاوف على خصوصية البيانات. تزايدت شكاوى مستخدمي “تيك توك” منذ مطلع الأسبوع الماضي حول صعوبة رفع بعض الفيديوهات. أرجعت المنصة ذلك في منشور رسمي على “إكس” إلى عطل كهربائي بأحد مراكز البيانات الأميركية.

لكن المستخدمين اختلفوا مع هذا التفسير. أشار البعض إلى زيادة في الرقابة على مضمون المحتوى، خاصة الفيديوهات التي تستعرض ممارسات قوات الهجرة والجمارك الأميركية (ICE)، أو تلك المتعلقة بواقعة إطلاق النار في مينيابوليس السبت الماضي.

عند محاولة رفع هذه الفيديوهات، واجه المستخدمون رسائل متنوعة. ظهر لبعضهم “الفيديو في مرحلة المراجعة”، بينما أبلغ آخرون بأن “الفيديوهات المتعلقة بإطلاق النار غير مؤهلة للظهور عبر خوارزميات اقتراح المحتوى”. كما اشتكى مستخدمون من تحقيق هذه النوعية من الفيديوهات معدلات مشاهدة أقل بكثير من المعتاد.

هذه التطورات المتلاحقة خلقت حالة من القلق الشديد في الأوساط الرقمية الأميركية. بدأت أعداد متزايدة من المستخدمين تبحث عن بدائل، ما فتح الباب أمام منصات ناشئة للظهور والانتشار بسرعة لافتة.

برز تطبيقا Skylight وUpScrolled كأبرز المستفيدين من حالة الاضطراب التي سادت أوساط مستخدمي “تيك توك” في الولايات المتحدة. شهدا معدلات نمو غير مسبوقة خلال أيام قليلة بعد إعلان إتمام الصفقة.

تُعد منصة Skylight، التي أُطلقت رسمياً العام الماضي، واحدة من أبرز البدائل التي قفزت بقوة. مدعومة بمستثمرين بارزين، منهم رجل الأعمال الأميركي مارك كوبان، تعتمد في بنيتها التقنية على بروتوكول AT Protocol مفتوح المصدر. هذا هو نفس البروتوكول الذي تقوم عليه شبكة Bluesky اللامركزية، والتي تجاوز عدد مستخدميها 42 مليون مستخدم عالمياً.

تأسست Skylight على يد الرئيس التنفيذي توري وايت والمدير التقني ريد هارماير. تهدف لتقديم تجربة مشابهة لـ”تيك توك” لكن بروح أكثر انفتاحاً وشفافية. توفر أدوات تحرير فيديو مدمجة، وملفات شخصية، وإمكانيات الإعجاب والتعليق والمشاركة. كما تتيح لمنسقي المحتوى إنشاء خلاصات مخصصة يمكن للآخرين متابعتها.

حققت المنصة أرقاماً لافتة خلال الأيام الماضية. تجاوز عدد مستخدميها 380 ألف مستخدم، ورُفع أكثر من 150 ألف مقطع فيديو مباشراً. استفادت أيضاً من تكاملها مع بروتوكول AT في إتاحة بث المحتوى المباشر من شبكة Bluesky.

صرح الشريك المؤسس ريد هارماير السبت الماضي، أن عدد مقاطع الفيديو التي جرى تشغيلها على التطبيق في يوم واحد بلغ نحو 1.4 مليون مشاهدة. يمثل هذا زيادة قدرها ثلاثة أضعاف متوسط التشغيل في 24 ساعة فقط.

كما شهدت Skylight ارتفاعاً بنسبة تزيد عن 150% في تسجيل الحسابات الجديدة. زاد عدد المستخدمين العائدين لاستخدام المنصة بأكثر من 50%، وارتفع متوسط مشاهدات الفيديو بنسبة 40%. تضاعف عدد المنشورات يومياً بنسبة تجاوزت 100%.

إلى جانب “سكاي لايت”، برز تطبيق UpScrolled كأحد المستفيدين الرئيسيين من حالة الارتباك التي أعقبت صفقة “تيك توك”. شهد التطبيق ارتفاعاً ملحوظاً في عدد مرات التحميل، ما وضعه بالمرتبة الثانية في فئة الشبكات الاجتماعية على متجر App Store، والمرتبة الثانية عشرة على مستوى جميع التطبيقات المجانية.

تأسس التطبيق عام 2025 على يد المطور عصام حجازي، وهو تقني من أصول فلسطينية يحمل الجنسية الأسترالية. يهدف من خلال منصته إلى توفير مساحة رقمية تتيح للمستخدمين التعبير بحرية، ومشاركة المحتوى دون تدخل خوارزمي أو توجيه سياسي.

يجمع UpScrolled بين خصائص مستوحاة من إنستغرام و”إكس”. يتيح مشاركة الصور ومقاطع الفيديو والمنشورات النصية، إلى جانب الرسائل المباشرة واكتشاف المحتوى الجديد.

وفقاً لبيانات شركة Appfigures المتخصصة، سجل التطبيق ما يقارب 41 ألف عملية تحميل خلال ثلاثة أيام فقط. يمثل هذا نحو ثلث إجمالي عدد تحميلاته منذ إطلاقه.

بلغ متوسط التنزيلات اليومية للتطبيق نحو 14 ألف تحميل، بزيادة وصلت إلى 2850% مقارنة بالفترة السابقة. وصل إجمالي عدد مرات تحميل التطبيق حتى الآن نحو 140 ألف مرة، منها 75 ألف تحميل داخل الولايات المتحدة وحدها.

أقر فريق العمل بالشركة بأنهم فوجئوا بسرعة الإقبال. أشاروا إلى أن الضغط الكبير على الخوادم تسبب في بعض الأعطال المؤقتة، ما دفعهم لتسريع عمليات التوسع التقني لمواكبة الطلب المتزايد.

يعزو مطورو التطبيق هذا الإقبال إلى عدة عوامل. من أبرزها وعود المنصة بعدم ممارسة أي شكل من أشكال “الحظر الخفي Shadow Banning”، وعدم تقييد المحتوى بناءً على التوجهات السياسية. كما تعهدت بمنح جميع المنشورات فرصة عادلة للظهور.

تُعيد هذه التطورات في سوق الخدمات الرقمية الأميركية تشكيل المشهد. لم تعد المنافسة مجرد صراع تقني، بل تحولت إلى تنافس أوسع بين نماذج مختلفة للسيطرة على المحتوى والبيانات. منصات كبرى تحاول التكيف مع ضغوط سياسية وتنظيمية متزايدة، بينما تستغل منصات ناشئة هذا المناخ المضطرب لتقديم نفسها كبدائل أكثر شفافية وانفتاحاً، تراهن على استعادة ثقة المستخدم بتقليص دور الخوارزميات المغلقة وتوسيع هامش الحرية.

مقالات ذات صلة